rssتقارير

من سيّر العلماء: الحضرمي ولد لوصيف.. حين يصبح العلم سيرةً والعدل رسالة

في صحراء الحوض الشرقي، حيث تمتد الرمال حتى تلامس الأفق، وحيث كانت المحاظر الشنقيطية تنسج أمجاد العلم جيلاً بعد جيل، ولد رجل لم يكن يعلم من حوله أن الزمن سيحفظ اسمه بين كبار العلماء والقضاة والمربين. كان ذلك سنة 1935، حين أبصر محمد الحضرامي ولد لوصيف النور في ضواحي مدينة النعمة، ليبدأ رحلة استثنائية ستجمع بين نور العلم وهيبة القضاء وصفاء التصوف.

منذ طفولته، بدا مختلفًا عن أقرانه،كان يميل إلى السكينة أكثر من اللهو، وإلى التأمل أكثر من الضجيج، حفظ القرآن الكريم صغيرًا، وتعلقت روحه بالعلم تعلق الظمآن بالماء، ولم يكن يرى في المعرفة مجرد وسيلة للوجاهة أو المكانة، بل كان يعدها عبادة ورسالة ومسؤولية.

وحين اشتد عوده، خرج من ربوع النعمة باحثًا عن العلماء، كما يخرج المسافر قديمًا في طلب الكنز.

تنقل بين المحاظر العامرة ومجالس العلماء، فدرس الفقه على يد العالم الزاهد محمد غلام بن دهمد حتى برع فيه، ثم ارتحل إلى العلامة محمد بن المحفوظ بن دهمد، فأخذ عنه العلوم الشرعية ونال الإجازة في قراءة الإمام نافع، متصلًا بسلسلة من الحفاظ والعلماء الذين حملوا كتاب الله عبر القرون.

وفي رحلة الطلب تلك، التقى بالعلامة اللغوي الكبير محمد المختار ولد امباله الشريف، فنهل من علوم العربية والنحو، وأظهر نبوغًا جعل شيوخه يدركون أنهم أمام طالب استثنائي، لا يعرف الكلل ولا يرضى بأنصاف الحلول في تحصيل العلم.

ومع السنوات، اتسعت مداركه وتعددت إجازاته حتى تجاوزت العشرين إجازة في مختلف العلوم الشرعية واللغوية، فأصبح واحدًا من العلماء الذين يجمعون بين سعة الاطلاع ورسوخ القدم في المعرفة.

عاد الشيخ إلى عدل بكرو حاملاً زادًا من العلم والخبرة، فأسس محظرة ذاع صيتها في الآفاق، وتحولت إلى قبلة للطلاب وطالبي المعرفة، هناك جلس تحت ظلال البساطة الشنقيطية، يعلم الناس كتاب الله وعلوم الشريعة، ويخرج الأجيال التي حملت الراية من بعده. ومن بين تلامذته علماء وفقهاء أصبحوا بدورهم مراجع يشار إليهم بالبنان.

غير أن نجمه لمع بصورة خاصة في علم الفرائض، ذلك العلم الذي وصفه العلماء بأنه نصف العلم، لصعوبته ودقته، وقد بلغ فيه الشيخ منزلة جعلت اسمه يقترن به أينما ذكر، حتى قال فيه أحد تلامذته مادحًا:

“وللفرضيّ الحضرميّ مكانةٌ
إذا نُعت الأشياخ في الدرس كالبدري”

لكن الحضرمي ولد لوصيف لم يكن عالم محظرة فحسب، بل كان رجل دولة وعدل. فقد تقلد القضاء ثلاثة وثلاثين عامًا كاملة، فصل خلالها بين الناس بالحق، لا يساوم على العدالة ولا يجامل في الأحكام، عرفه الناس قاضيًا نزيهًا صلبًا في الحق، رفيقًا بالمظلومين، شديدًا على الظالمين، لا يخشى في الله لومة لائم.

وكان يؤمن أن القضاء أمانة قبل أن يكون وظيفة، ورسالة قبل أن يكون منصبًا. لذلك ظل بعيدًا عن مطامع الدنيا، حتى روي عنه أنه رفض أخذ الأجرة على بعض مهامه القضائية، مفضلاً أن يبقى عمله خالصًا لله تعالى.

وفي مرحلة مهمة من حياته، استقر سنوات طويلة في جمهورية ساحل العاج وله أبناء ولدوا على أرض تلك الدولة ، حيث كانت الجاليات الموريتانية والمسلمة تبحث عن من يجمع بين العلم والحكمة تأتي القاضي الحضرامي، وسبق وأن عرضت عليه السفارة آنذاك ضمه إلى أعمالها مقابل مرتب ، فرفض رفضاً باتاً مع اعطائها رخصة التدخل بالقوة -كجهة منفذة – حالة رفض أحد المتقاضين الحكم ، هناك لم يكن مجرد فقيه وافد، بل أصبح مرجعًا ومصلحًا اجتماعيًا ومربيًا للأجيال، فتح حلقات العلم، وأصلح بين المتخاصمين، وربط الناس بقيم الإسلام السمحة، حتى صار اسمه معروفًا ومحترمًا بين الموريتانيين وغيرهم في تلك الأرض.

وإلى جانب علمه وقضائه، كان الشيخ أحد كبار أعلام الطريقة الغظفية في موريتانيا جمع بين الفقه والتصوف السني المعتدل، وبين المعرفة والعمل، وبين العبادة وخدمة الناس. كان يرى أن العلم بلا أخلاق جسد بلا روح، وأن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو الأثر الطيب في القلوب.

وقد عرفه الناس بزهده وتواضعه، كان قليل الكلام، كثير العمل، إذا تحدث أصغى إليه الحاضرون، وإذا دخل مجلسًا عمّه الوقار، وإذا جلس بين الناس شعروا أنهم أمام رجل امتلأت روحه بنور العلم وصفاء اليقين.

ولم تقتصر بصماته على التعليم والقضاء، بل خلف مؤلفات علمية وتربوية مهمة، من أبرزها كتاب “الدليل الناهض في بيان ما نص عليه خليل من علم الفرائض”، وكتاب “الترياق في تصفية النفس وتهذيبها بمكارم الأخلاق”.

وكأن هذين الكتابين يلخصان مسيرته كلها؛ علمٌ للعقول، وتزكيةٌ للنفوس.

ومع تقدمه في العمر، لم تنقطع عنه وفود الطلاب والمستفتين وأصحاب الحاجات. ظل بيته مقصدًا للعلماء والعامة، ومجلسه ملاذًا لطالبي النصح والإصلاح، حتى غدا رمزًا من رموز الحكمة في زمنه.

وفي السابع والعشرين من يونيو سنة 2010، أسلم الشيخ محمد الحضرامي ولد لوصيف روحه إلى بارئها ، بعد رحلة امتدت خمسة وسبعين عامًا من البذل والعطاء..

لكن الموت لم يستطع أن يطوي سيرته؛ فقد بقي حيًا في ذاكرة تلامذته، وفي صفحات مؤلفاته، وفي الأحكام العادلة التي أصدرها، وفي النفوس التي أصلحها، وفي الدعوات الصادقة التي ترفع له في كل حين.

وحين نُقل جثمانه إلى قرية دار النعيم تنفيذًا لوصيته، كان المشيعون يودعون عصرًا من عصور العلم الشنقيطي الأصيل. عصرًا جسده هذا العالم الجليل الذي جمع بين المحظرة والمحكمة، وبين الفقه والتصوف، وبين العلم والعمل.

رحل الحضرمي ولد لوصيف، لكن الرجال من أمثاله لا يغيبون حقًا، يرحلون بأجسادهم، وتبقى سيرتهم منارة تهدي السالكين، كما تبقى النجوم هادية للمسافرين في ليالي الصحراء الطويلة.

رحم الله العلامة محمد الحضرامي ولد لوصيف، وجزاه عن العلم وأهله، وعن الوطن وأبنائه، خير الجزاء.

تابعونا

الصـــارية نتإعلام حر ونزيه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى