rssفن

حين نطقت التيدنيت بصوت يعقوب

بقلم حامدن ولد أسعيد

في ليلةٍ ندّت عنها الأنفاس طربًا، وازدانت فيها مدينة النعمة بألقٍ من نور الفن ووهج التراث، اعتلى الفنان العظيم يعقوب ولد حمبارة منصّة مهرجان الموسيقى، فغمر المكان بهيبة العازف المتمرّس، ودفءِ ابن الأرض الذي يعرف كيف يخاطب ذاكرة الصحراء ويستدرج موسيقاها من عمق الروح.

ما إن وضع أصابعه على أوتار التيدنيت حتى بدا كأنّ الكون دخل في إصغاءٍ كامل؛ انطلقت أنغامها الأولى مثل همسٍ بدويّ يعرف طريقه إلى القلب، ثم ما لبث أن تحوّل ذلك الهمس إلى موج طربيّ عارم، يُدوّر الحنين دورانه، ويبعثر السكون في فضاءات المهرجان.

يعقوب، ابن المقاطعة البارّ، بدا في تلك الليلة كما عهدناه: سيّد “التيدنيت” الذي أوتي ملكوتها، يروضها حيث يشاء، فتستجيب له كما يستجيب الفجر لنداء المؤذن، وكما تنقاد الريح ليد شاعر حكيم. كل نغمة كان يعزفها تحكي سيرة مكانٍ وناس، وتروي حكاية صحراءٍ لا تزال تنجب العبقريّة في الصمت والغناء.

تفاعل الجمهور معه تفاعل العاشق مع محبوبه، وللحظةٍ خُيّل للحاضرين أنّ النعمة كلّها صارت نبضًا واحدًا يسير على إيقاع أصابعه.

امتلأت الوجوه دهشةً، والقلوب فرحًا، وكأنّ صوته يمسح عن الأرواح تعب الطريق ويعيد للذاكرة صفاءها الأول.

لقد كان حضور يعقوب ولد حمبارة في مهرجان الموسيقى بالنعمة أكثر من مشاركة فنية؛ كان بيانًا موسيقيًا يعيد الاعتبار لصوت التيدنيت، ويؤكد أن موريتانيا ما تزال ولّادة للأصوات التي تعرف كيف تجعل من التراث حكاية خالدة، ومن الموسيقى جسرًا يصل القلب بالقلب.

إنه نجمٌ حين يعزف، وشاعرٌ حين يصمت، وفنانٌ حين يبتسم… ولذلك لا غرابة أن تحجز النعمة تلك الليلة في ذاكرة مهرجانها، تحت عنوان واحد:

حين تحدّثت التيدنيت بلسان يعقوب.

مهرجان الموسيقى _بالنعمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى