

الصارية نت | ملف وطني خاص
مع إطلالة شهر نوفمبر، تستعيد موريتانيا واحدة من أعظم محطاتها التاريخية، ويستحضر الموريتانيون ذكرى وطنٍ اختار أن يكتب فصلاً جديداً من تاريخه، وأن ينتقل من مرحلة الخضوع للاستعمار إلى رحاب الاستقلال والسيادة الوطنية.
إنه نوفمبر الذي يحمل في ذاكرة الموريتانيين معنى يتجاوز حدود الزمن، فهو شهر الحرية والكرامة، وشهر استحضار تضحيات الأجيال التي آمنت بأن لهذا الوطن حقاً في الوجود المستقل، وأن شعبه يستحق أن تكون له دولته ورايته ومؤسساته وقراره الوطني.
وفي الثامن والعشرين من نوفمبر عام 1960، أُعلن استقلال الجمهورية الإسلامية الموريتانية، لتبدأ البلاد مسيرة بناء الدولة الحديثة، وسط تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة، وإرادة وطنية سعت إلى ترسيخ الهوية الوطنية وتوحيد أبناء الوطن تحت راية واحدة.
ومنذ ذلك التاريخ، ظل الثامن والعشرون من نوفمبر موعداً وطنياً تتجدد فيه مشاعر الانتماء، وتُرفع فيه الأعلام، وتُستحضر فيه تضحيات الرجال والنساء الذين أسهموا في صناعة لحظة الاستقلال، كما تتجدد فيه مسؤولية الأجيال اللاحقة تجاه وطنها ومستقبله.
لم يكن استقلال موريتانيا حدثاً عابراً أو قراراً اتُّخذ في لحظة منفصلة عن سياقه التاريخي، بل جاء نتيجة مسار طويل من التحولات السياسية والاجتماعية، ومن مقاومة الوجود الاستعماري الفرنسي، ومن بروز وعي وطني أخذ يتشكل تدريجياً لدى النخب والقيادات والشخصيات الوطنية.
فقد بدأت مرحلة الاستعمار الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر، وواجهت محاولات التوسع الاستعماري مقاومة من السكان والقيادات المحلية، قبل أن تتجه البلاد لاحقاً إلى مرحلة جديدة من المطالبة بالحكم الذاتي وتأسيس مؤسسات سياسية وطنية.

وشهد عام 1957 محطة مهمة في هذا المسار، حين تشكلت أول حكومة موريتانية ذاتية برئاسة المختار ولد داداه، لتبدأ مرحلة من بناء المؤسسات وتشكيل ملامح الدولة الناشئة.
وفي 28 نوفمبر 1958، أُعلنت الجمهورية الإسلامية الموريتانية في إطار الحكم الذاتي ضمن المجموعة الفرنسية، واعتمد أول دستور للبلاد في 22 مارس 1959.
وبعد مفاوضات سياسية مع فرنسا، وُقّعت اتفاقية نقل الاختصاصات في 19 أكتوبر 1960، لتصل البلاد إلى موعدها التاريخي يوم 28 نوفمبر 1960، حين نالت استقلالها وأصبحت دولة ذات سيادة على الصعيد الدولي. الرئاسة .
لا يمكن الحديث عن استقلال موريتانيا دون استحضار شخصية الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، الذي ارتبط اسمه بمرحلة التأسيس السياسي للدولة الحديثة.
فقد تولى رئاسة أول حكومة موريتانية ذاتية سنة 1957، وقاد البلاد خلال المرحلة الانتقالية التي سبقت الاستقلال، وكان على رأس الحكومة التي خاضت المفاوضات المتعلقة بنقل الاختصاصات من فرنسا إلى الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
لقد كانت مرحلة التأسيس مرحلة شديدة الصعوبة، إذ واجهت الدولة الناشئة تحديات تتعلق ببناء الإدارة، وتوفير الموارد البشرية، وإقامة المؤسسات، وتأسيس جيش وطني، وتثبيت حضورها في محيط إقليمي ودولي معقد.
ومع إعلان الاستقلال، بدأت موريتانيا رحلة بناء كيانها السياسي والإداري، في ظروف لم تكن فيها البنية التحتية ولا الإمكانات الاقتصادية متناسبة مع حجم التحديات التي تنتظرها.
يمثل شهر نوفمبر بالنسبة للموريتانيين أكثر من مجرد محطة في التقويم السنوي؛ فهو مناسبة لاستعادة الذاكرة الوطنية، وتجديد العهد مع الوطن، والتأمل في مسيرة دولة تجاوزت منذ استقلالها عقوداً من التحولات والتحديات.
وفي كل عام، تتجه الأنظار إلى الثامن والعشرين من نوفمبر، حيث تتزين المدن والقرى بالأعلام الوطنية، وتقام الاحتفالات الرسمية والعروض العسكرية والأنشطة الثقافية، وتُستحضر رمزية العلم الوطني والنشيد الوطني وما يمثلانه من وحدة وسيادة وانتماء.
كما تشكل هذه المناسبة فرصة لتكريم أجيال من العسكريين والمدنيين والمعلمين والإداريين والعمال والمواطنين الذين أسهموا، كل من موقعه، في بناء مؤسسات الدولة وخدمة المجتمع.
فالاستقلال لم يكن مجرد انتقال من إدارة أجنبية إلى إدارة وطنية، وإنما كان بداية مسؤولية تاريخية تتمثل في بناء دولة قادرة على حماية سيادتها، وصيانة وحدتها، وتوفير مقومات الحياة الكريمة لمواطنيها.
عندما حصلت موريتانيا على استقلالها سنة 1960، كانت دولة محدودة الإمكانات، تعاني نقصاً كبيراً في المؤسسات والبنى التحتية والموارد البشرية المؤهلة.
وكانت العاصمة نواكشوط نفسها في بدايات تشكلها العمراني، فيما كانت أغلبية السكان تعيش في بيئات ريفية تعتمد بصورة أساسية على الرعي والزراعة والتجارة التقليدية.
لكن العقود اللاحقة شهدت تحولات واسعة، شملت توسع المدن، وإنشاء المؤسسات التعليمية والصحية، وتطوير البنية الإدارية، وظهور قطاعات اقتصادية جديدة، من بينها التعدين والصيد والطاقة، فضلاً عن تطور حضور موريتانيا في محيطها العربي والإفريقي والإسلامي.
كما أصبحت البلاد عضواً في عدد من المنظمات الإقليمية والدولية، وأسهمت في مسارات التعاون والعمل المشترك، وهو ما عزز حضورها كدولة مستقلة في محيطها الجغرافي والدبلوماسي.
غير أن استحضار هذه المكاسب لا يعني تجاهل التحديات التي ما زالت تواجه البلاد، فهناك ملفات كبرى تتطلب جهوداً متواصلة، من بينها مكافحة الفقر والبطالة، وتحسين التعليم والصحة، وتطوير الاقتصاد، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتحقيق تنمية متوازنة تشمل مختلف الولايات والمقاطعات والتجمعات السكانية.

إن الاحتفال بالاستقلال لا ينبغي أن يقتصر على المظاهر الاحتفالية ورفع الأعلام وإقامة العروض العسكرية، مهما كانت أهميتها الرمزية والوطنية، بل يجب أن يكون مناسبة لمراجعة المسار الوطني، وطرح الأسئلة المتعلقة بمستقبل البلاد ومدى قدرتها على تحويل الاستقلال السياسي إلى نهضة اقتصادية واجتماعية شاملة.
فالاستقلال الحقيقي لا يقاس فقط بامتلاك العلم والنشيد والمؤسسات، وإنما يقاس أيضاً بقدرة المواطن على الحصول على التعليم الجيد، والعلاج المناسب، وفرص العمل، والعيش الكريم، وبمدى شعوره بالعدالة والمساواة والانتماء إلى وطن يحفظ حقوق جميع أبنائه.
كما أن السيادة الوطنية لا تكتمل إلا بوجود اقتصاد منتج، ومؤسسات قوية، وإدارة فعالة، وقضاء مستقل، وإعلام مهني مسؤول، ومجتمع يؤمن بأن الاختلاف والتنوع مصدر غنى وقوة، لا سبب للانقسام والتنافر.
ومن هنا، فإن مسؤولية الحفاظ على الاستقلال ليست مسؤولية جيل بعينه، ولا حكومات متعاقبة فقط، وإنما هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع، من مسؤولين ومثقفين وإعلاميين وشباب ونساء ورجال أعمال ومواطنين في الداخل والخارج.
إذا كان جيل التأسيس قد حمل مسؤولية إعلان الدولة وبناء مؤسساتها الأولى، فإن الأجيال الجديدة مطالبة اليوم بحمل مسؤولية تطويرها وتحديثها.
فالشباب الموريتاني يمثل طاقة بشرية كبيرة، ويملك إمكانات علمية ومهنية وإبداعية قادرة على الإسهام في نهضة البلاد، إذا توفرت له فرص التعليم والتكوين والتشغيل والمشاركة في صناعة القرار.
ولا يمكن بناء مستقبل وطني مستقر دون الاستثمار في الإنسان، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، وتمكينها من المشاركة في الحياة العامة، وإعطائها الفرصة لتحويل طموحاتها إلى مشاريع ومبادرات تخدم المجتمع.
كما أن من الضروري أن يدرك الشباب أن حب الوطن لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما بالعمل والإنتاج واحترام القانون والمحافظة على الممتلكات العامة، والدفاع عن الوحدة الوطنية، والإسهام في نشر ثقافة التسامح والتعايش.
تتميز موريتانيا بتنوعها الثقافي والاجتماعي واللغوي، وهو تنوع يمثل جزءاً أصيلاً من شخصيتها التاريخية والحضارية.
فالعرب والبولار والسوننكي والولوف، بمختلف روافدهم الثقافية والاجتماعية، يشكلون مكونات المجتمع الموريتاني، ويجمعهم الانتماء إلى وطن واحد وتاريخ مشترك ومستقبل ينبغي أن يكون مشتركاً أيضاً.
ومن أهم الدروس التي ينبغي أن نستحضرها في ذكرى الاستقلال أن الوطن يتسع لجميع أبنائه، وأن قوة الدولة تقاس بقدرتها على صيانة كرامة مواطنيها، وترسيخ المواطنة المتساوية، وإشاعة الثقة بين مختلف مكوناتها.
إن موريتانيا التي نالت استقلالها في 28 نوفمبر 1960 تستحق أن يظل أبناؤها أوفياء لمعنى ذلك اليوم، وأن يجعلوا من الوحدة الوطنية والعدالة والتنمية ركائز أساسية لمستقبلها.
ومع دخول شهر نوفمبر 2026، ونحن نستعد للاحتفال بالذكرى السادسة والستين للاستقلال الوطني، تبدو المناسبة فرصة مهمة للتأمل في حصيلة ستة وستين عاماً من عمر الدولة الموريتانية الحديثة.
ستة وستون عاماً من التحولات والتجارب، ومن النجاحات والإخفاقات، ومن الآمال التي تحققت والطموحات التي لا تزال تنتظر طريقها إلى الإنجاز.
إن الاحتفاء بالاستقلال ينبغي أن يتجاوز استعادة صور الماضي إلى استحضار الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة:
-كيف نبني اقتصاداً وطنياً قادراً على توفير فرص العمل والحد من الاعتماد على الخارج؟
-كيف نضمن تعليماً جيداً يؤهل الأجيال القادمة للمنافسة والإبداع؟
- كيف نحقق العدالة في توزيع المشاريع والخدمات بين مختلف الولايات؟
- كيف نمنح الشباب دوراً حقيقياً في بناء الدولة وصناعة مستقبلها؟
- كيف نعزز الوحدة الوطنية ونرسخ ثقافة المواطنة والإنصاف؟
-وكيف نطور إعلاماً وطنياً حراً ومهنياً يواكب التحولات ويعبر عن تطلعات المواطنين؟
إنها أسئلة لا تخص الحكومة وحدها، بل تعني كل موريتاني يؤمن بأن مستقبل وطنه يستحق العمل والتضحية والتفاني.
وفي الثامن والعشرين من نوفمبر، لن يكون الاحتفال مجرد استذكار ليوم مضى، بل تجديداً للعهد مع وطن اسمه موريتانيا؛ وطن يستحق أن يكون أكثر قوة وعدلاً وازدهاراً، وأن تتحول ثرواته وإمكاناته إلى فرص حقيقية لجميع أبنائه.
فالاستقلال أمانة، والوطن مسؤولية، والأجيال القادمة تستحق أن ترث دولة أكثر تقدماً وإنصافاً واستقراراً.
عاشت موريتانيا حرة مستقلة، وعاش شعبها موحداً كريماً، وكل عام والوطن وأبناؤه بألف خير.
28 نوفمبر 1960 – 28 نوفمبر 2026
الذكرى السادسة والستون للاستقلال الوطني










