
نواكشوط – الصارية نت:
أشرف رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، اليوم الخميس، من مقاطعة عرفات بولاية نواكشوط الجنوبية، على إطلاق المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي لتنمية مدينة نواكشوط، في خطوة جديدة ضمن مسار حكومي يستهدف تطوير البنية التحتية للعاصمة، وتحسين الخدمات الأساسية، ومعالجة عدد من الاختلالات الحضرية التي ظلت تؤثر في حياة السكان ومشهد المدينة.
وتحمل المرحلة الجديدة أبعاداً تنموية واسعة، بالنظر إلى حجم الاستثمارات المرصودة لها وتنوع المشاريع المبرمجة، إذ تبلغ ميزانيتها 115 مليار أوقية قديمة، فيما وصلت الكلفة الإجمالية للمرحلتين الأولى والثانية إلى 184 مليار أوقية قديمة، موزعة بين 69 مليار أوقية قديمة للمرحلة الأولى و115 ملياراً للمرحلة الثانية.
ويعكس هذا الحجم من التمويل توجهاً نحو الانتقال من التدخلات الاستعجالية المحدودة إلى مشاريع أكثر شمولاً، تستهدف إعادة تأهيل المرافق العمومية، وتوسيع الشبكات الحضرية، وتعزيز قدرة العاصمة على الاستجابة للمتطلبات المتزايدة لسكانها، في ظل التوسع العمراني والضغط المتنامي على الخدمات.
يأتي إطلاق الشطر الثاني امتداداً للمرحلة الأولى التي شهدت تدخلات في قطاعات حيوية، شملت التعليم والصحة والطرق والمياه والكهرباء والبيئة والرياضة، وأسفرت عن إنجازات متعددة، من بينها بناء وتأهيل مئات الفصول الدراسية، وتحسين عدد من المراكز الصحية، وتطوير الطرق والفضاءات العمومية، وتعزيز شبكات المياه والإنارة.
وتتجه المرحلة الثانية إلى توسيع هذه التدخلات وتعميق أثرها، من خلال مشاريع جديدة لا تقتصر على زيادة المنشآت والخدمات، بل تشمل أيضاً إدخال تخصصات صحية جديدة، وتوسيع التغطية التعليمية، وتحسين الربط بين الأحياء، ومعالجة مشكلات الصرف الصحي والمياه الراكدة، فضلاً عن توفير فضاءات رياضية وثقافية وشبابية.
يحظى قطاع التعليم بنصيب مهم من المشاريع المبرمجة، حيث تتضمن المرحلة الثانية إنجاز 510 حجرات دراسية جديدة، موزعة بين ثانويتين و7 إعداديات و18 مدرسة ابتدائية، إضافة إلى بناء داخليتين و6 رياض أطفال، وترميم 3 مراكز مخصصة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
وتأتي هذه المشاريع استكمالاً لما تحقق خلال المرحلة الأولى، التي شهدت بناء 460 فصلاً دراسياً جديداً، وتأهيل 859 فصلاً، والتدخل في 120 مؤسسة تعليمية.
وتكتسب هذه التدخلات أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تخفيف الاكتظاظ داخل المؤسسات التعليمية، وتحسين ظروف التمدرس، وتوسيع فرص الولوج إلى التعليم، ولا سيما في الأحياء التي تشهد نمواً سكانياً متسارعاً.
كما أن إدراج رياض الأطفال ومراكز الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن البرنامج يمنح التدخلات بعداً اجتماعياً وتربوياً يتجاوز مجرد بناء الفصول الدراسية، باتجاه تعزيز شمولية الخدمات التعليمية.
وفي القطاع الصحي، تتضمن المرحلة الثانية حزمة من المشاريع ذات الطابع التخصصي، من أبرزها إنشاء مستشفى للأمومة، و4 مصالح للحالات المستعجلة، و3 مراكز لتصفية الكلى، إلى جانب مركز وطني للحروق البليغة، ومركز آخر للصحة النفسية وعلاج الإدمان.
وتعكس هذه المشاريع توجهاً نحو تعزيز البنية الصحية وتوسيع نطاق الخدمات التخصصية، بما يساهم في تخفيف الضغط على المنشآت القائمة، وتقريب الخدمات العلاجية من المواطنين، وتقليل الحاجة إلى التنقل بحثاً عن العلاج.
وكانت المرحلة الأولى قد شهدت التدخل في 14 مركزاً صحياً، اكتملت الأشغال في 9 منها، إضافة إلى توسعة 7 مراكز وتحويل 7 نقاط صحية إلى مراكز.
ويُنتظر أن تشكل المنشآت الصحية الجديدة إضافة مهمة للمنظومة الصحية في العاصمة، خصوصاً في المجالات التي تتطلب تجهيزات متخصصة وطاقماً طبياً مؤهلاً، مثل علاج الحروق وأمراض الكلى والصحة النفسية.
يمثل تطوير شبكة الطرق أحد المحاور الأساسية في البرنامج، بالنظر إلى ما تواجهه العاصمة من تحديات مرتبطة بالتوسع العمراني، والازدحام المروري، والحاجة إلى تحسين الربط بين المقاطعات والأحياء.
وبعد إنجاز 68 كيلومتراً من الطرق خلال المرحلة الأولى، مع تقدم الأشغال في الطريق الدائري وتوسعة طريق المطار، تتضمن المرحلة الثانية إنجاز 70 كيلومتراً إضافياً من الطرق، واستكمال وصلات الطريق الدائري، وإنشاء 5 منشآت لعبور التقاطعات الرئيسية.
وتستهدف هذه التدخلات تحسين انسيابية حركة المرور، وتسهيل تنقل المواطنين، وتطوير الربط بين مختلف أجزاء المدينة، إلى جانب الحد من الاختناقات التي أصبحت من أبرز التحديات اليومية لسكان نواكشوط.
ولا تتوقف أهمية هذه المشاريع عند تسهيل حركة المركبات، بل تمتد إلى تحسين الوصول إلى المرافق العمومية والأسواق والمؤسسات التعليمية والصحية، بما يعزز النشاط الاقتصادي والاجتماعي داخل العاصمة.
وفي مجال المياه والصرف الصحي، تتضمن المرحلة الثانية إنجاز 379 كيلومتراً من الشبكات المائية، و10 كيلومترات من شبكات الصرف الصحي، ومعالجة 43 بركة من المياه الراكدة.
وتأتي هذه المشاريع بعد تدخلات المرحلة الأولى التي ركزت على تعزيز قدرات الضخ، وتأهيل الشبكات، وتوسيع التغطية المائية، وإنشاء شبكات لتصريف مياه الأمطار.
وتكتسي هذه التدخلات أهمية بالغة في مدينة تواجه تحديات متكررة خلال موسم الأمطار، خصوصاً في ما يتعلق بتجمع المياه داخل الأحياء والشوارع، وما يترتب على ذلك من صعوبات في التنقل ومخاطر بيئية وصحية.
كما أن توسيع شبكات المياه والصرف الصحي يمثل أحد الشروط الأساسية لتحسين جودة الحياة، وتعزيز الصحة العامة، ومواكبة التوسع العمراني المتواصل.
وفي قطاع الكهرباء والإنارة العمومية، تستهدف المرحلة الثانية إنشاء 41 محطة تحويل كهربائي، ومد خطوط ربط جديدة، وإنجاز 187 كيلومتراً من شبكات الإنارة العمومية.
وتستكمل هذه المشاريع حصيلة المرحلة الأولى التي تضمنت إنجاز 150 كيلومتراً من الشبكات الكهربائية، و40 كيلومتراً من شبكات الربط، و4 محطات توزيع متحركة، و36 محطة تحويل، إضافة إلى 215 كيلومتراً من شبكات الإنارة العمومية.
ولا تقتصر أهمية هذه الاستثمارات على توسيع التغطية الكهربائية، بل تشمل كذلك تحسين الإنارة في الشوارع والمحاور الحضرية، وتعزيز شروط السلامة والأمن، وتحسين المظهر العام للأحياء والمرافق العمومية.
ويولي البرنامج اهتماماً خاصاً للبيئة والمشهد الحضري، من خلال مواصلة تهيئة الفضاءات الخضراء وتشجيرها، وتأهيل الساحات العمومية، وتحسين تنظيم المجال الحضري.
فبعد تدخلات المرحلة الأولى التي شملت تطوير الفضاءات الخضراء، وتأهيل الفضاءات العمومية، وتطوير محاور النقل السريع الثلاثة، وتحديث ساحة الحرية، تتضمن المرحلة الثانية إعداد دراسات لإعادة هيكلة وسط المدينة، وتهيئة حدائق الخضروات، وإنشاء وتأهيل فضاءات عمومية جديدة، ومواصلة بناء «نصب الأمة».
وتعكس هذه المشاريع توجهاً نحو جعل العاصمة أكثر تنظيماً وجاذبية، مع تعزيز حضور المساحات الخضراء والفضاءات المشتركة التي تشكل متنفساً للسكان، وتسهم في تحسين البيئة الحضرية.
ولم يغفل البرنامج احتياجات الشباب، باعتبارهم إحدى الفئات الرئيسية المعنية بالسياسات التنموية، حيث تتضمن المرحلة الثانية إنجاز 24 ملعباً رياضياً، وبناء دور للشباب وترميم أخرى، وتحديث المنشآت الرياضية القائمة.
وتأتي هذه المشاريع استكمالاً لما تحقق في المرحلة الأولى، التي شهدت إنجاز وتجهيز ملعب الميناء، وتأهيل ملعب السبخة، وإنشاء مسبح نصف أولمبي وقاعة متعددة الأغراض، وتأهيل مركز شباب السبخة.
ومن شأن هذه المنشآت أن توسع فرص ممارسة الأنشطة الرياضية والترفيهية، وتوفر فضاءات لاحتضان المواهب الشابة، وتعزز حضور الرياضة في الحياة الاجتماعية، شريطة أن تقترن ببرامج للتسيير والصيانة والتأطير والتكوين.
إن أهمية البرنامج الاستعجالي لتنمية نواكشوط لا تقاس بحجم الاعتمادات المالية المرصودة له وحدها، وإنما بقدرته على إحداث تغيير ملموس في واقع السكان، وتحويل المشاريع المعلنة إلى خدمات مستدامة ومنشآت تستجيب للاحتياجات الفعلية.
فالعاصمة التي تضم كثافة سكانية متزايدة، وتواجه تحديات متشابكة في مجالات النقل والمياه والصرف الصحي والتعليم والصحة والبيئة، تحتاج إلى رؤية حضرية متكاملة لا تكتفي بمعالجة الاختلالات الآنية، بل تستشرف حاجات المدينة خلال السنوات المقبلة.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التنسيق بين القطاعات الحكومية والبلديات والجهات الفنية، وضمان جودة الأشغال واحترام الآجال المحددة، مع وضع آليات واضحة لمتابعة التنفيذ وتقييم النتائج، وإشراك المواطنين في المحافظة على المنشآت والمرافق العمومية.
كما يظل التحدي المرتبط بصيانة البنية التحتية واستدامة الخدمات عاملاً أساسياً في نجاح هذه الاستثمارات، حتى لا تتحول المشاريع المنجزة إلى منشآت تحتاج بعد فترة قصيرة إلى إعادة التأهيل.
يمثل إطلاق المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي لتنمية نواكشوط مناسبة لتجديد النقاش حول مستقبل العاصمة وطبيعة التحولات الحضرية التي تحتاج إليها، في ظل التحديات التي تفرضها الزيادة السكانية والتوسع العمراني وتنامي الطلب على الخدمات.
وبين ما تحقق في المرحلة الأولى وما هو مبرمج في المرحلة الثانية، تبرز أمام الجهات المعنية مسؤولية تحويل هذه الاستثمارات الكبيرة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في مدرسته ومركزه الصحي وشارعه وحيه ومرافقه اليومية.
فنجاح التنمية لا يقاس بعدد الكيلومترات المنجزة أو المنشآت المشيدة فحسب، وإنما بمدى تحسن جودة الخدمات، وعدالة توزيعها، واستمرارية الاستفادة منها.
إن الرهان الحقيقي اليوم هو أن تتحول نواكشوط من عاصمة تتوسع عمرانياً بوتيرة متسارعة إلى مدينة حديثة ومنظمة، تتوفر فيها شروط العيش الكريم، وتستجيب لتطلعات سكانها، وتواكب متطلبات التنمية الحضرية المستدامة.


